منتدى عوينة ايتوسى

مرحبا بكم في منتدى عوينة ايتوسى و بكل من له غيرة على المنطقة هده الرسالة تفيد بأنك غير مسجل إن كنت تريد التسجيل فما عليك سوى الضغط على زر التسجيل و شكرا


المنتدى منتداكم أنشئ لخدمة المنطقة فساهموا معنا للتعريف بها
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ترجمة الفصل الأول من كتاب "الأصول التاريخية للهجرة المغربية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
المدير العام
المدير العام
avatar

ذكر عدد المساهمات : 303
تاريخ الميلاد : 14/11/1986
تاريخ التسجيل : 28/09/2010
العمر : 31
الموقع : عوينة ايتوسى

مُساهمةموضوع: ترجمة الفصل الأول من كتاب "الأصول التاريخية للهجرة المغربية    السبت يوليو 02, 2011 8:41 am


مقرر الفصل السادس شعبة التاريخ والحضارة
ترجمة الفصل الأول من كتاب "الأصول التاريخية للهجرة المغربية في فرنسا" (1963-1910)"
مقدمة :
تأتي ترجمــة بعض فصول من كتاب "الأصول التاريخية للهجرة المغربية في فرنسا 1910-1963" للأستاذ الباحث عطوف الكبير، وهو أستاذ التاريخ الاجتماعي المعاصر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية – أكادير، وهذا الكتاب في الأصل أطروحة لنيل الدكتوراه، وهي أطروحة جامعية أكاديمية تهتم بحركة الهجرة المغربية إلى فرنسا خلال القرنيين XIXوXX، وهو موضوع يشكل تيمة اهتمام واشتغال الأستاذ عطوف، الذي انصبت كل مجهوداته العلمية والأكاديمية على سبر أغوار وفهم إشكالية الهجرة في التاريخ المغربي المعاصر، وهي إشكالية عويصة تعترض ليس فقط التاريخ المعاصر للمغرب، ولكنها على العموم، لازالت تطرح نفسها بحدة في مجمل فترات التاريخ المغربي منذ أقدم العصور إلى حدود وقتنا الحاضر.
إن أهمية هذا الكتاب، تكمن في أنه يسلط الضوء على مجمل السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية للهجرة المغربية الداخلية والخارجية خلال المرحلة الاستعمارية للمغرب، حتى أنه في هذه الفترة والتي كان المغرب، يرزأ فيها تحت الاستعمار الفرنسي والإسباني والذي أحدث تحولات جد عميقة وبنيوية في البنيات الاجتماعية للمغرب الاستعماري، مما كان دافعا قويا للحركة الهجروية والتي تطورت بتطور المدن المغربية و ما واكبها من تحولات اقتصادية وسياسية ساهمت في تشكيل ما أسماه الأستاذ "الطبقة شبه بروليتاريا والبروليتاريا"، ومما يزيد من أهمية هذه الفصول المترجمة من الكتاب، هي أنها مدعمة بأرقام و بإحصائيات جد مهمة تميط اللثام على من الحقائق المرتبطة بالتطور الفجائي للمدن المغربية للساكنة الأوربية بالمغرب ومختلف اتجاهات الهجرة المغربية الداخلية والخارجية على العموم، وما نلاحظه هو أن صاحب الكتاب كان متسلحا بأدوات التحليل العلمي الرصين، مما جعله يتحرى الحقيقة، لذلك نجده لا يتوانى في انتقاد الكتابات الاستعمارية المغرضة في الجوانب التي تكون فيها متحيزة للاستعمار، وفي نفس الوقت يستنير بها في جوانب أخرى، وهذا موقف علمي جدي، إذ أن هذه الكتابات رغم طغيان النزعة الاستعمارية في ثناياها إلا أنها تختزن معلومات عن أوضاع المغرب وقتئذ لا سبيل إلى إنكارها.
ولابد من الإشارة إلى أن ترجمة هذه الفصول من الكتاب المذكور، تواجهها بعض الصعوبات والمعوقات العلمية والمنهجية، نظرا لصعوبة الموضوع، والذي يفترض امتلاك أدوات للتحليل، إذ أن من شروط الترجمة الانتماء للحقل المعرفي الذي كتب فيه النص. كما أنه لابد من التذكير بهاجس يواجه كل مساهمة في ترجمة النصوص التي تنتمي إلى حقل العلوم الإنسانية، ففي المجال العربي تعاني الترجمة من معضلات تعكس أوضاع البحث العلمي : الارتكاب والتفكك و غياب التراكم، فالمترجم يعمل في غياب أرضية معجمية متماسكة مع أن الترجمة ليست مطالبة فقط بالمجهود المعجمي وبالاستيراد اللغوي للمعرفة، بل مطالبة بنقل المفاهيم بطريقة إبداعية أو ما يصطلح عليه في عرف المترجمين بحسن اختيار "العامل الموضوعي"، أي إيجاد الكلمة المناسبة لسياق محدد، أو بعبارة أخرى الدقة في تبيئة أو تكييف المفاهيم والمصطلحات المنقولة من اللغة الأصل (اللغة الفرنسية هنا ) إلى اللغة الهدف (اللغة العربية).
لكل هذه الدواعي، نقر أن هذه الترجمة ليست إلا محاولة أولية للتقرب للمعنى حسب ما أراده كاتبه، ولا يقتصر تدخلنا إلا على زيادة بعض التوضيحات، لكن بحذر مراعاة لعدم الوقوع فيما يسميه التراجمة بـ "الزيادة أو الحذف غير المشروع".


الفصل الأول : التفقير والهجرات الداخلية والنزوح القروي

رغم أهمية المصادر الوثائقية والأبحاث ذات التخصصات العلمية المتعددة خلال سنوات (1970 ـ 1980)، فإنه لا يمكن إلا أن نتأسف لغياب الأعمال التي تهم المرحلة السابقة لسنوات 1960. ويعتبر دانييل نوان (D.Noin)، الذي عمل لوقت طويل على هذه الإشكالية، وجاب الأرياف المغربية، مؤهلا أكثر من غيره لإثارة الانتباه إلى النقائص الفظة التي تشوب المعطيات المتعلقة بالهجرات الداخلية والنزوح القروي عندما كتب: "لا زالت معرفة الساكنة القروية المغربية أولية، رغم كل ما يقال، ونظرا للتطور المحدود، وللتوزيع الجغرافي وللخصائص الديمغرافية أو الحركية داخل المجال، فانه يجب أن نتفاءل غالبا بالمعلومات الآخذة في التشكل. كما أن هناك نقص تام في المعطيات )...(. ولم تدرس الهجرة الموسمية بعد تقريبا، كما أن الأهمية الحقيقية للهجرة المؤقتة تبقى غير معروفة، هذا إضافة إلى أنه لم تنجز أية محاولة حقيقية شاملة حول النزوح القروي. وبالتالي فلا زالت هجرات الساكنة داخل قرى المغرب تشكل حقلا واسعا للدراسات "[1] التي لم تنجز بعد.
بصفة عامة، فقد أنجزت معظم الأبحاث والتحريات التي تمت خلال فترة (1912 ـ 1956)، بغرض تلبية الأهداف "السوسيو ـ اثنوغرافية" للاستعمار،ولكن لا يمكن إهمال أهميتها في الحالة الراهنة للتوثيق. وعلى سبيل المثال، نستشهد خصوصا بالكتاب الذي يعد مرجعا للمرحـلة وهو "ميلاد البروليتاريا المغربية"[2]، وهو ثمرة تحر جماعي) يهم أساسا السكان المسلمين ( أنجز ما بين (1948 ـ 1950) من طرف موظفي الحماية، وكان موضوعا لعملية تركيبية هامة لحوالي 80 مشروع عمل تحت إشراف روبير مونطان Robert Montagne) ( ) ملحق 1 ( في إطار (CHEAM : مركز الدراسات العليا لإفريقيا وآسيا الصغرى (. إن هذا الإسهام الضخم عن الساكنة القروية والرعوية النازحة من القبائل في اتجاه المدن الساحلية في شمال المغرب، وكذا اندماج وتجذر المجموعات المختلفة من السكان التي شكلت الفضاءات الحضرية، إضافة إلى الظروف الجديدة للحياة المادية والاجتماعية والاقتصادية التي كدست المهاجرين الأوائل في مدن الصفيح، تلك كانت مظاهر حياة البروليتاريا المغربية، والذي كان لروبير مونطان الفضل في دراسة ولادتها وهي تتشكل على مرأى من عينيه.
لقد قدر ر. مونطان حوالي "مليون من المستلبين نزحوا من القبائل )...( نحو المراكز السكنية الإدارية الجديدة الداخلية )...( وكانوا هم من شكلوا هذه البروليتاريا" [3]، وذلك منذ إقامة نظام الحماية بالمغرب إلى حدود سنة 1950. ويجب أن نضيف إلى المليون من المسلمين "حوالي 100.000 يهودي استقطبوا من طرف بعض المراكز الكبرى وخاصة الدار البيضاء"[4]. غير أن هذا الكتاب يقدم عموميات مبسطة ومعطيات جغرافية غير دقيقة، كما أن بعض مناطق الهـجرة كانت مجهولة في "ميلاد البروليتاريا المغربية" كفيكيك[5] مثلا. نقول هذا من أجل أن نحيط بشكل أفضل بهذه الهجرات التي ليست إلا حصيلة عوامل متعددة وجد معقدة، انه يجب الوقوف لحظة عند الممثل الأساسي لتدخل الرأسمالية الاستعمارية، والذي سمح كذلك بتحويل وهدم "أنماط الإنتاج التقليدي": وتبقى الأرض رهانا أساسيا لتثبيت كل استعمار.

1- تحول الأرض كرهان أساسي لمشروعية الاستعمار وخلق منتجين بدون وسائل
الإنتاج:

اعتمد مهندسو الاستعمار، في المغرب الاستعماري، تحت قيادة أول مقيم عام ليوطي (LYAUTEY (، تكتيكا برعا يرتكز في واجهته، وفي نفس الوقت، على الغزو العسكري الاقتصادي والسياسي، إضافة إلى "التهدئة" الشهيرة التي انطلقت قبل مأسسة نظام الحماية رسميا. وبالتحديد، فقد تطلبت هذه "التهدئة " من المستعمرين حوالي ثلاثين عاما من الحرب الشرسة. ) انظر الخريطة رقم 1: تحدد مراحل المعارك العسكرية منذ 1907 إلى حدود سنة 1934 (. وخلافا لبعض الكتابات، يجب انتظار سنة 1936 التي تم فيها القضاء تماما على مقاومة الجنوب المغربي، فتحققت التهدئة نهائيا. ومن هنا، فان استغلال الثروات الاقتصادية ليس إلا تقوية للمصلحة الرأسمالية الاستعمارية، وتقويضا للبنيات التحتية التقليدية المهدمة. وبعبارة أخرى، فقد "انكبت القوى الاستعمارية على تدمير أسس البنيات الاقتصادية والاجتماعية للتشكيلات القبلية الواحدة تلو الأخرى، وتعويضها بأسس الاقتصاد الرأسمالي "[6]، إن تحليل ل. طلحة فيه جانب كبير من الصواب، إذ كان العنف الاستعماري بالمعنى الواسع للكلمة، والذي برهنت وحللت روزا لوكسومبورغ ) ( ROZA LUXEMBOURGبشكل كامل ميكانزماته وتطوره وأبعاده، هذا العنف كان مرفوقا بـ "الأوجه التاريخية لتراكم وتجذر الرأسمالية )...( التي جردت المجتمعات البدائية من وسائل إنتاجها، للسيطرة على قوة عملها وتحويلها إلى زبناء لبضائعهم "[7].
وعلى عكس المستعمرة الجزائرية، فقد كان الهم الرئيسي للسلطة الامبريالية هناك هو هدم ومحو كل شكل لتدخل الدولة في الاقتصاد. إن الامتلاك المنظم للأراضي من طرف المعمرين، وتنقلات السكان المحليين الذين أصبحوا أجانب في بلدهم الأصلي، كل هذا يبين سياسة استعمارية أكثر حذاقة في المغرب، وكانت التجربة الجزائرية بمثابة درس لتحقيق أهداف مماثلة. فكيف تحققت نفس النتائج ؟ ها هو نص لـ "الاستعلامات الاستعمارية" ) RENSIGNEMENTS COLONIAUX) أورده م. صلاح الدين يؤكد بالطبع هذا الأمر : "تفادى الاستعمار في المغرب الأخطاء الفادحة السابقة، واستطاع أن يتحمل ويطبق وسيلة حققت جميع المصالح بشكل قانوني (SIC) ونحن مدينون قبل كل شيء إلى العبر التي قدمتها لنا هذه التجربة "[8].
كما هو الحال في الجزائر، فلم يكن تنظيم وبناء كل البنيات التحتية لينجز دون يد عاملة كثيرة جدا، وبدون تشكيل مستعمرة سكانية مهمة "تتخذ في لحظة ما نفس المسار في الهجمة"[9]. ومن هنا، وبصفة ذات دلالة أكثر، فان إحصائيات السكان تأخذ بعين الاعتبار هذا التدخل الأوروبي الجديد في إطار مغرب عهد الاستعمار. ولذلك، فحسب "Bulletin de renseignement des questions musulmanes " (السرية[10](، فمجموع سكان المنطقة الفرنسية بلغ سنة 1926 ) إحصاء ( حوالي 4.229.146 نسمة، حيث ارتفعت الساكنة الأوروبية إلى 96.377 فردا ضمنهم 66.223 فرنسيا و30.154 أجنبيا، وذلك بنسبة 1,6 من الفرنسيين لكل "100 من الأهالي المغاربة" ) معلومات مستقاة من نفس المصدر الخير المذكور : جدول رقم 1: يهم الحالة الإجمالية للساكنة الحضرية(.
يجب أن نلاحظ، بعد قراءة هذه المعطيات الكمية، أن الأغلبية الساحقة من الأوروبيين، تتركز في منطقة الشاوية بحوالي ) 23.068 فرنسيا، أي ما يقرب 24,29% من مجموع الساكنة الأوروبية(، وبالدار البيضاء بحوالي19.887 فرنسيا، أي بنسبة 20,63% من مجموع الأوروبيين )الجدول1: يهم الحالة الإجمالية للساكنة الحضرية للمدن الرئيسية(. أما فيما يخص الساكنة "المغربية اليهودية"، فهي تقدر بـ107.552 نسمة، بنسبة 2,54% من مجموع ساكنة المغرب Bulletin de) renseignements des questions musulmanes، 1927(.
تزايد سكان المنطقة الفرنسية سنة1926 من 4.229.146 نسمة إلى حوالي 5.400.000 نسمة تقريبا، حسب نتائج إحصاء مارس1931[11]، وهو تزايد بنسبة 1.170.854 فرد في ظرف وجيز يناهز خمس سنوات فقط"، وفي هذا التعداد، هناك 5.070.000 نسمة من السكان يسمون "المغاربة المسلمون" بنسبة تقارب 94%، أما "اليهود المغاربة" فقدروا بـ 125.000 نسمة بنسبة 2,3%، أما الفرنسيون فهم حوالي 128.200 نسمة بنسبة 2,4%، هذا بالإضافة إلى 22.700 اسباني، 12.600 ايطالي، و11.700 جزائري"، ومن جنسيات متعددة، ولكن بعدد ضئيل. ويمثل الفرنسيون 4/3 من الاستيطان السكاني الأوروبي، فقد انتقلت المستعمرة الفرنسية من 66.220 إلى 128.220 نسمة ما بين 1926 و1931، أي في حدود خمس سنوات، وبالتالي فقد تضاعف حجمها لمرتين تقريبا، إنها أهم مرحلة للتعمير قبل الأزمة ومراقبة مناطق العبور"[12] كما يشير إلى ذلك غوني كاليسو.
تبدو مقارنة الساكنة الحضرية من سنة 1921 إلى سنة 1931، على سبيل المثال، جد مثمرة، لذلك، فهذه الساكنة قد تضاعفت مرتين خلال عشر سنوات، حيث انتقلت من 465.589 نسمة سنة 1921 إلى 875.000 نسمة سنة 1931 في مختلف المدن المغربية[13]. ولنضرب على ذلك مثلا، فمراكش، وهي مدينة فلاحية نسبيا،تعد أول مدينة بالمغرب بساكنة تزيد عن 195.000 نسمة، ولكن مدينة الدار البيضاء كبرت بإيقاع ملحوظ، إذ انتقلت من 107.000 نسمة سنة 1926 إلى 163.000 نسمة سنة 1931، إن هذا التصاعد الديمغرافي المطرد لهذه المدينة، جعلها منها عاصمة اقتصادية للحماية. وفي ظل هذه الظروف، كاد الاستعمار الأوروبي أن يكون قبل كل شيء استيطانا حضريا. وهذا ما جعل النمو الحضري للمدن يملي نفسه أساسا من خلال إنشاء المستعمرات الأوروبية إلى حدود سنوات العشرينات، هذا دون نسيان الدور الهام الذي لعبه اليهود المغاربة في تعمير المدن منذ بداية القرن العشرين.
لم تنطلق سنوات 1930 حتى بدأت مدن الصفيح تطفو على سطح المراكز الحضرية الكبرى، هذا ويمكن تلخيص التوزيع السكاني بين المغاربة والأوروبيون ) وكذلك بين المسلمين واليهود (في الجدول التالي[14] :


الجدول 2 : ساكنة مغرب عهد الاستعمار في المدن الرئيسية سنة 1931

نعتدر عن وجود جدول لوجود خلل خارج عن الارادة
ما يجب ملاحظته، هو أن الأوروبيون يتمركزون أساسا في مدن الدار البيضاء والرباط ووجدة وفاس، هذه المدن تحتضن لوحدها أزيد من 110.000 فردا، أي ما نسبته 61% من مجموع الأوروبيين ) كما هو مبين في الجدول(. أما بالنسبة للمسلمين المغاربة، فهم يتجمعون بشكل كبير أولا في مراكش ثم فاس والدار البيضاء ) بنسبة تقارب 62% من مجموع المسلمين(. وعلى عكس ذلك، فيهود المغرب يستقرون أساسا في مدينتي مراكش والدار البيضاء، اللتان تحتضنان 41.567 فردا، أي بنسبة 49% تقريبا من مجموع الساكنة اليهودية المغربية، أما الباقي فكان يتوزع في المدن الصغرى كما هو الحال بالنسبة للسكان المسلمون.
ومن جهة أخرى، اتخذ الاستعمار شكل الهجرة الأوروبية التي سيطرت أول الأمر على المجال الترابي للمخزن )الدولة(، لتمتد بعد ذلك إلى الملكيات الجماعية والعائلية ) الثروة العقارية أو الملكية(، ونتيجة لذلك "فقد استحوذت بالتأكيد على الأراضي الخصبة التي تمت السيطرة عليها، وفي كل مكان تم نهب السكان الذين تعرضوا لمصير واحد : الشتات والبؤس والهجرة"[15].
انه لمن المهم جدا الإشارة إلى انه بعد سنتين فقط من مأسسة نظام الحماية، كانت وظيفة الترسانة القانونية هي التنظيم الممنهج لعملية نهب أراضي الفلاحين المغاربة. كما أن "الظهائر الصادرة في 31 غشت و8 نونبر 1914، وتلك التي صدرت في 3 ماي و16 أكنوبر سنة 1919، وفي 19 أبريل 1922 (...( إنما جاءت لتبرير ومأسسة عملية مصادرة الأراضي لصالح المعمرين الأوروبيين )...( وأيضا للاستغلال الأكثر ربحا وإنتاجية"، كما كان قد سجل ذلك محمد حسن الوزاني[16]، والذي أشار فضلا عن ذلك إلى أن الاستعمار الزراعي، كان يستغل منذ 1913 مساحة تقدر بـ 104.000 هكتار[17] تتوزع كالآتي :

ـ دكالة و عبدة : 10.000هكتار
ـ منطقة الرباط والغرب : 40.000 هكتار
ـ منطقة وجدة : 58.000 هكتار
ـ منطقة الشاوية : 6.000 هكتار

كانت مساحة الأراضي المصادرة من طرف الاستعمار الزراعي، أثناء الحرب العالمية الأولى، قد ازدادت من ما لا يقل عن 70.000 هكتار إلى 174.000هكتار. وفي سنة 1922، لوحظ تزايد عدد المستوطنات الزراعية، فوزعت 57.000 هكتار بين الأوروبيين، أضيفت إليها 2.200 هكتار، فوصلت الأراضي الاستعمارية إلى 270.000 هكتار سنة 1935 بناءا على المصادر الوثائقية المتاحة[18].
بالموازاة مع هذا النهب المنظم للأراضي الفلاحية لصالح المعمرين، فقد كافأت الحماية المتعاونين من المغاربة معها، لاسيما القياد، كافأتهم بمجالات عقارية شاسعة من أراضي الفلاحين الذين استلبت منهم حيث أنهم: "نهبوا بدون مقابل"[19]. وقد أورد روبير مونطان شهادة قيمة لتوضيح هذه الوضعية: "بصفة عامة، بينت تحريات دقيقة أجريت في مجموع سوس )...( أن هناك انتقالا للملكيات العقارية لفائدة الأعيان الأغنياء، وتثير فينا بعض المعطيات التي تم جمعها انطباعا بأن هذه المناطق لم تكن لتعرف ذلك التطور إلا في بداياتها، والذي كان مقتصرا على القياد والشيوخ الكبار )الأعيان والرؤساء المحليين("[20] . وبالرغم من أهمية هذا النص، فانه للأسف لا يمدنا بالكيفية التي حولت بها الملكيات العقارية الملاكين؟. وبالفعل، فموقع روبير مونطان كمنظر رسمي للاستعمار، ليس بوسعه الذهاب بعيدا في التحليل، فهو دائما يركز على "السياسة القيدوية" حسب تعبير بول باسكون[21] PAUL) PASCON (.
إن "نظام القيدوية" أثبت نفسه أثناء عمليات "التهدئة"، وقد أسندت إليه الإقامة العامة دورا مهما في إدارة البلاد،ولم يكن هذا الإجراء بالنسبة للحماية إلا تجديدا لأسس "النظام المخزني قبل الاستعمار الفرنسي"[22]. هذا "النظام القيدوي" تم تبريره من الناحية الرسمية بالرغبة في المحافظة على "المؤسسات الأهلية "، ولذلك فقد اعتبرته الإقامة العامة بالمغرب" أنه غير مكلف جدا ويسهل للسلطات مراقبة كل البلاد بواسطة عدد محدود من الرؤساء المحليين مما يضمن مباشرة إدارتها "[23]. ويعتبر الكلاوي نموذجا لهؤلاء القياد الكبار، والذي حكم بشكل مطلق جنوب المغرب، والذي كانت له يد طولى في اجتثاث الساكنة القروية في سهل سوس، والتي ستشكل فيما بعد وعاءا للطبقة الشبه ـ البروليتارية وللمرشحين لمختلف أنواع الهجرات.

2- الاستعمار وتشكيل الطبقة الشبه ـ بروليتارية :

لعبت الرساميل المستثمرة، وتوسع الزراعات والتجهيزات الحديثة، دورا في خلخلة المناطق الفلاحية التقليدية والحرفية. وتشكل سنوات (1920 ـ 1930) أهم مرحلة للتعمير والتدخل الأوروبي، والذي احكم هيمنة المصالح الفرنسية على المغرب. فقد "بلغت التجارة الخارجية أوجها قبل الحرب، ووصلت القيمة السنوية إلى 4.000 مليون فرنك. وفي سنة 1929 بلغت الرساميل المستثمرة في الشركات المجهولة الاسم المصرح بها في المغرب حوالي 460 مليون، وفي سنة 1930 وجهت 22% من الرساميل نحو المستعمرات الفرنسية، خصوصا نحو المغرب، لأنه البلد الذي لم يكن يقيم الضريبة على الفائدة والضريبة على أرقام الأعمال. وتظهر مصادر الرساميل لسنة 1929 أن الهيمنة كانت للفرنسيين: حيث أن لفرنسا 76%، وبلجيكا 8%، ودول مختلفة بـ 2%، أما المغرب فهو ثابت في وضعيته المالية : 14%"[24].
يبين استيلاء المعمرين على الأرض، أن الاستعمار كان ذا بعد استيطاني، فالحماية كانت تراقب بشكل مباشر أو غير مباشر "المساحات المزروعة )التي( انتقلت من 2.135.000 سنة 1920 إلى 3.486.000 هكتار سنة 1931 )...(، بينما في سنتي 1935 ـ 1936 بلغت الرساميل المستثمرة )العامة والخاصة( في الاستيطان الزراعي حوالي مليارين )...( وتقدر القيمة الوسطية السنوية للإنتاج الفلاحي الأوروبي لسنة 1936 حوالي 200 مليون" كما بين ذلك التقرير الرسمي لـ لبول (G.Lebault ([25].
إذن من المؤكد أن التدخل الأوروبي الفلاحي، كان قبل تهدئة المغرب، نشيطا جدا ومتقدما "فمن سنة 1923 إلى 1932، تم بيع 202.000 هكتار كحصة للاستعمار، كما امتلك الاستيطان الحر أيضا أكبر المساحات، بينما في سنة 1935 سيحصل الاستعمار الفلاحي على 840.000 هكتار"[26].
إن هذه الأراضي الشاسعة، لم تستغل في الحقيقة إلا من طرف فئة قليلة من المعمرين، مما ساهم في تخريب بنية المجتمع المغربي. وقد بين هذا الأمر رئيس الغرفة الفلاحية للدار البيضاء الذي كتب : "يمثل3.250 معمر الساكنة الفلاحية الأوروبية في سنة 1935، بنسبة 10.000 نفس )...( أما السكان الأهالي المأجورين فهم 40.000 عامل دائم وأغلبيتهم عمال مؤقتين هذا دون احتساب الخماسين[27] "[28].
نلاحظ إذن، منذ أواسط الثلاثينات ) 1935 ـ 1936 (، تطورا غير مسبوقا للقطاع الفلاحي الأوروبي، المتميز بالاستغلال الضخم يقدر بما "بين 250 و300 هكتار في المتوسط"[29]، وهي مخصصة في معظمها للزراعات المضارباتية التي خربت الفلاحة التقليدية المهدمة. في هذه الظروف، فبالإضافة إلى الغزو العسكري، هناك تجزيء للبنيات السوسيوـ اقتصادية لأوساط الفلاحين الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من المغاربة، فقد "كان في نظر ليوطي وخلفائه واحدة من أكثر الوسائل نجاعة لتدمير التشكيلات الاجتماعية في الحين وتحريض بروليتارية )الهدف المنشود( الأوساط القروية "، كما يبين تحليل لـ. طلحة[30].
أما فيما يخص القطاع الصناعي، فقد ظل إلى حدود سنوات 1930 أوليا. فمفهوم التصنيع هنا ليس له نفس الاصطلاح الذي له في البلدان المتقدمة التي عرفت الثورة الصناعية. وكانت الرساميل المروجة في المغرب مغشوشة بالقياس مع انعدام أي إنتاج صناعي حقيقي )التصنيع الثقيل(، وكانت القاعدة العامة هي لعب دور الوساطة والمتاجرة والمضاربة في المواد الأولية. وبالمقابل، تحدد "النشاط الصناعي "الأكثر حيوية في مجال البناء" كبناء الموانئ والطرق والمرافئ والمؤسسات التجارية وطرق السكك الحديدية: وخاصة بناء العمارات العمومية التي تطورت بوتيرة غير مسبوقة بفضل قروض ميزانية الميتروبول، كما كان للتدخل الأوروبي وشم ونجاح في البنيات الإدارية. وتابعت المقاولة الخاصة، في ظل اندثار الشغال العمومية المحمية بقروض الدولة، تابعت أعمال التجهيز لتسهيل الوسائل التجارية: كبناء الطرق المنجمية، وربط مؤسسة التصدير والاستيراد بواسطة السكك الحديدية ومكاتب الشركات المالية الكبرى )...(.فالتصنيع إذن لم يأت إلا من بعد، أو كان في الغالب منعدما، وظل دوما محدودا بالطلب: إنتاج الاسمنت والتحويل الأولي للمنتوجات الفلاحية والمطاحن وصناعة الزيوت والسكر"[31].
إذا كان تطور هذا التصنيع المضارباتي وليس الإنتاجي، قد تركز خاصة في الدار البيضاء، والتي تحولت بشكل كامل، في مدة عشرين سنة لتصبح اكبر مركز اقتصادي وتجاري في مغرب عهد الاستعمار، فانه امتص جزءا كبيرا من اليد العاملة المتوفرة القادمة من أربع مناطق من البلاد، بسبب النزوح القروي والهجرات الداخلية والتزايد الطبيعي، إن المظهر الجلي للتحول السريع الذي عرفته الدار البيضاء، المرتبط بالاستقرار الأوروبي، هو نتيجة انطلاق مسلسل البنايات التي امتلأت بها وسط المدينة وأحياؤها. وهنا نعاين ولادة مدن الصفيح[32] كنواة أولى أساسية للحركة العمالية المغربية الأصلية في أوضاع بئيسة تذكر بما عرفته أوروبا الغربية مع المجتمعات الصناعية في القرن19. هذه الأوضاع التي وصفت بدقة في رواية Germinal التي تعتبر أكبر إبداع ضخم والرواية الأكثر شعبية لـ إميل زولا ) Emile Zola (، حيث أنها تعكس الحقائق الواقعية والمأساوية والرثائية لعمال فرنسا، ولعل ما يميز المغرب في عهد الاستعمار، هو أن هناك عمال دون تنظيم ودون وعي طبقي يتيح لهم الدفاع عن حقوقهم ) سنعود إلى هذه المسألة بتعمق (. ومهما يكن، فالأرقام المتوفرة تبين يشكل جلي التطور الملحوظ لمدينة الدار البيضاء التي حافظت على أهميتها بالنسبة للاستثمارات والرساميل الأجنبية. ولذلك، فقد انتقلت هذه الرساميل من 52 مليون سنة 1926 إلى 284 مليون سنة 1931. وكانت حصيلة هذا التحول المفاجئ، هي مليار الرساميل المستثمرة واستهلاك 70مليون كيلوواط في الساعة، إضافة إلى عمل 45.000 عامل تقريبا "[33].
يمكن أن نميز، اعتمادا على المظان المتاحة، بين ثلاثة أشكال من النشاط الصناعي التي تجمع تقريبا كل عمال سنوات 1930: وهي الأوراش والموانئ والمناجم. وهذا ما توضحه جليا خريطة "إفريقيا الشمالية الاقتصادية" المحفوظة بالمكتبة الوطنية بباريس، والتي وضعت في سنة 1930 (خريطة رقم 2(، والتي توضح ضخامة الأوراش المتطورة في مغرب الاستعمار خلال سنوات (1920 ـ 1930)، كما هو الحال بالنسبة لطرق السكك الحديدية والطرق والطرق السيارة، وخصوصا الاستغلال والاستخلاص المعدني المتعلق بالحديد والنحاس والرصاص والفوسفاط والزنك والمنغنيز والملح ... الخ ) أنظر خريطة 2 حول التوزيع الجغرافي للمناجم المعدنية المشار إليها بالأحمر(.
لقد أسفر عن حالة التطور هذه، تسريع وتيرة ظاهرة الهجرة نحو المراكز الحضرية الجديدة، أملا في الحصول على مدخول قار، وتعتبر "النقود" هنا رمزا كونيا لتفريق وتشتت وشائج الروابط الاجتماعية، وخاصة كأداة تعوض للاندماج في الدخل والرأسمال، ومنذ ذلك، فالعلاقات الجديدة الاجتماعية ـ السيكولوجية والنقدية أسست بشكل لا يمكن تقبله: "صارت الحاجة "للسيولة النقدية" معيارا"، كما أشار إلى ذلك لـ. طلحة، "فهي تدفع المرشحين للهجرة بموجات كاملة إلى ما وراء البحر، في سفر يعودون منه بعدد اقل، إن غلبة الحاجة إلى "السيولة النقدية" (l'argent liquide) دق ناقوس نهاية الحياة الفلاحية "[34].
هذه الحاجة إلى "السيولة النقدية"، هي التي كانت إذن المحرك الرئيسي الذي لا يمكن نكرانه، فكانت محفزا للأوساط المحرومة للتخلي عن القرى الغير مركبة نحو أوراش الاستعمار، والتي وسعت من "جنود الاحتياط الشبه ـ بروليتاريين"، أو بشكل أوضح "الصفيحيون

الخاصية الهجروية الداخلية وتنمية المراكز الحضرية الجديدة
والحاجة إلى "السيولة النقدية"

كما أشرنا أنفا، فالمصادر والوثائق حول الهجرة الداخلية للمغرب الاستعماري قبل 1942م، هي جد محدودة. ورغم هذا العائق الكبير، فإننا سنحاول تقديم الخطوط العريضة لهذه الظاهرة المميزة للفترة المدروسة
قبل 1912، تركزت الأنشطة التجارية في المدن الكبرى كفاس ومراكش، اللتين اجتذبتا الحرفيين والتجار من كل مناطق المغرب. أما المدن الأخرى كالدارالبيضاء و تطوان ومكناس وسلا والرباط و آسفي والصويرة (موكادور)، فبقيت أهميتها متواضعة في الوقت الذي كانت فيه الأغلبية العظمى من الساكنة و المغربية تتشكل من القرويين والرعاع، و مع الاستعمار الفرنسي حدثت تغيرات: فقد أحدثت مدن جديدة وتطورت تلك التي لم تكن لها أيت أهمية، كما ازدادت ساكنة هذه المدن الجديدة بوثيرة سريعة، نتيجة تطور الأنشطة الاقتصادية و التجارية التي عرفتها الموانئ الأطلنطية من أكادير إلى الدار البيضاء. ونتيجة لكل ذلك فإن الأحياء الأوربية الجديدة التي أنشئت في المدن الحضرية، كانت مرفوقة بظهور بنيات تحتية جديدة، كما أن استقرار عدد من متزايد من الأوربيين، محددين ومشروطين طبعا بجلب اليد العاملة التي ازدادت الحاجة إليها شيئا فشيئا، والمندمجة أكثر فأكثر في العلاقات الرأسمالية. وبصفة عامة فإن الساكنة الريفية هي التي قدمت اليد الضرورية لتطور المستعمر، ولكن السؤال الذي يطرح: كيف أصبحت الساكنة بصفة أو أخرى متاحة: "إن الاعتقاد في الثروات الخيالية التي ولدت في الموانئ، أنشطة المسيحيين. كما أعطت المجاعات المفاجئة إحساسا لكل الذين هددوا بالموت في الداخل بأنه بإمكانكم إيجاد، إذا كانت لديهم قوى كبيرة لربح التسوية، الموارد التي ستسمح لهم بالبقاء. أضيفت إذن الموجات من مهاجري المجاعة إلى الموجات الملاحظة للعمال. أخيرا فإن الاجتذاب الطبيعي للمدن نحو مراكز لم يتوقف عن توسع الفوارق التي تزداد أكثر فأكثر بعد أن تمكن الاستعمار من الميدان، وبعد أن نظم التنقلات. إن ظهور الاقتصاد النقدي لدى السكان المتعودين على المقايضة، تسهل كثير تنقلات السكان، وضمن بشكل كبير منطقة الاستقطاب الطبيعي للمدن الكبرى الساحلية"[35]. هذا النص لروبير مونطان (R.Montagne)، يمكن أن يعكس الوضعية التي استفادت منها بالدرجة الأولى المدينة الصاعدة إلى هي الدار البيضاء. هذه الأخيرة استمرت في استقطاب استقرار عدد مرتفع من التجار الكبار لمدينة فاس، هذه الأخيرة الاحتكار والنفوذ أفقدت شيئا فشيئا أمام المدينة المتوسطية، ليس فقط المستوى الثقافي وحسب، ولكن خصوصا على المستوى الاقتصادي والتجاري. إنها الدار البيضاء التي استفادت إلى حد بعيد، من المساهمة الهجروية لكل السكان، سواء من الأوربيين أو من المغاربة (المسلمين واليهود المختلطين).
تشير عدد من الوثائق إلى أن الهجرة الداخلية، هي سابقة على القرن XIX، وقد مورست من طرف قبائل الأطلس المتوسط، هذه الهجرة التي استقطبت بشكل كبير ساكنة تيزنيت وتارودانت وأكادير وفكيك: كل هؤلاء السكان هم برابرة. (الخريطة رقم 3 حول الوضعية الجغرافية)، ولديهم عادة هجروية عتيقة موسمية أو وقتية نحو المدن الكبرى للمغرب (فاس، مراكش، الدار البيضاء، الرباط، وطنجة الخ)، ولكن أيضا نحو الجزائر المستعمرة التي يتردد إليها الريفيون كل صيف (...) خصوصا وهران من أجل القيام بالأعمال الفلاحية (...) منذ سنوات 1840"[36].
إذا كان المغرب الشرقي يتعاطى الهجرة منذ القرن XIX إلى الجزائر الجارة، بسبب التقارب الجغرافي، فإن السوسيون بالمقابل، يتميزون بشكل أساسي في التجارة للمواد الغذائية الصغيرة أصبحوا في المغرب يشكلون مظهرا بارزا للتجارة الحضرية إضافة إلى أن ل "التجارة بالتقسيط أهمية كبيرة في المغرب، ويراقب السوسيون فروعها الرئيسية (...) غير كل المغرب (...) وتوجد شبكة من المحلات التجارية تحت تصرف أفراد من نفس العائلة أو من نفس الفخذة من القبيلة"[37]. إنها ظاهرة تعود إلى المظهر الثقافي و إلى "القوة العادة" المتوارثة وتشكل تقليدا "متجدرا منذ عشرات السنين داخل الأسر السوسية ذات الخاصية الابيسية البارزة بشكل قوي: والتي يكون فيها الأب أب العائلة. يبدأ الطفل الصغير كعامل مساعد في محل أبيه، أو محل عمه، أو أخيه، أو ابن عمه، ليندمج في محيط تجاري الذي سيأخذ فيه مباشرة مكانه في سن الرشد"[38] هذا الوصف الرائع لجون وتربوري (J.Wterbury) يبين بوضوح أصل وأقدمية ودور البنية الاجتماعية والعائلية في "الهجرة التجارية" للسوسيين، الذين يعرفون كيف ينقلون هذه الصنعة المتفاوتة من جيل إلى آخر، وهي ظاهرة مستمرة دائما في المغرب.
ضمن كل الهجرات الداخلية، تبقى الهجرة التجارية قديمة جدا، فهي تتلاءم وتنسجم بشكل ممتاز مع حاجيات الحياة العائلية والفلاحية للبلد. وهذه الميزة من الانضباط اللامعياري هي التي تفسر نجاحها الكبير. إن نجاح المهاجرين السوسيين يعتبر ظاهرة تجاوزوا في أصل وفعاليتها الحدود المغربية، كما يشهد على ذلك روبير مونطان( R.Montagne): "إنها (الظاهرة السوسية) تظهر بوضوح وبدون سابق في شمال إفريقيا. ولا يمكن لنا مقارنتها إلا بتلك الخاصة بالموازبيت (Mozabetes) في الجزائر وبالجربيين (Djerbiens) في تونس، الذين هم أقل نشاطا من شلوحنا (السوسيين). و بالإضافة، فإن السيطرة على المواد الغذائية، ثم من طرف أناسنا مع نوع من الثبات الذي لم يتمكن الموزابييت أنفسهم في مقاومة برابرة الأطلس المتوسط الذي انهزموا فيه ضمن وهران إلى طنجة ومن طنجة الى أكادير، وأصبح الشلوح ملوك تجارة البقالة بلا جدال."[39]
إلى جانب السوسيين يجب أن نشير كذلك إلى التجار الفكيكيين، الذي استفادوا من الوضعية الجغرافية لواحة فكيك، التي تتموقع على بوابة الصحراء : "هذا الموقع المتميز جعل من فكيك (...) منذ نهاية القرن XIX مفتاح التجارة الصحراوية و أكبر ملتقى لتجارة القوافل، ومرحلة أساسية بالنسبة لمواكب الحجاج نحو الأراضي المقدسة".[40]
لقد تعاطى الفكيكيون، هم أيضا للهجرة الموسمية أو الوقتية نحو المغرب أو الجزائر منذ ركود تجارة القوافل[41]، وبشكل خاص تشييد طريق السكة الحديدية في سنة 1905 ب"بشار" (Béchar) (108 كلم جنوب فكيك)، التي حرمت الواحة من جزء هام من المترددين عليها من الرحل، لاسيما ذوي مينع (Doui-Menia) وأولاد جرير (Ouled Jerir)، وبدأ الدور التجاري للواحة يتحل بتزايد"[42] الشيء الذي أرغم الساكنة المحلية على التكيف مع الوضعية الجديدة. كما أن الحل الوحيد هو المغامرة بالهجرة نحو المدن الكبرى للمغرب الاستعماري (وجدة، فاس، و مراكش، الدار البيضاء، الخ)، إلا أن هذه الهجرات تندرج داخل منطق جد ديناميكي (Dynamique) وجدلي (Dialectique)، وصعب يهم أشكالها ودواعيها العميق.

1- أشكال و أسباب الهجرات الداخلية:
رغم الصعوبات المقدمة، يمكن مع ذلك أن نميز ثلاثة أشكال عامة تهم الهجرات الداخلية:
الهجرة الموسمية
الهجرة المؤقتة
الهجرة الدائمة
يفضل المغاربة، و الفلاحين المستلبين خدمة الأرض التي تركوها أمام قوة الأشياء التي اتخذ منها النزوح القروي أشكالا متنوعة، كما فسر ذلك بشكل كامل غوني كاليسو (R.Gallissot): "يذهب المرء لوحده أو مع العائلة وأحيانا في مجموعة أما ذهاب مؤقت لبعض السنين أو ذهاب من أجل حياة عملية إلى حين العودة إلى الأرض من أجل الدفن، أو بشكل دائم بانقطاع مع البلد. إن المنجم وخصوصا المنجم الصغير والمصنع يجتذبان عمال المنطقة الذين يستمرون في إقامة بقريتهم أو يعيشون نسبيا فيها. وقد اجتذبت المناجم الكبرى والمدن من بعيد اليد العاملة، وأفرغ الجنوب المغربي من السكان قصد تضخيم ساكنة الدار البيضاء"[43]. وبالتأكيد فالدواعي المتعلقة بالهجرة الداخلية متنوعة، حسب تصور الكتاب وسياق المحيط الذي أنتجها وقد اشتغل دائما روبير مونطان ( R.Montagne) على هذه المسألة فتمكن من تصنيف وتلخيص أسباب الهجرة على الشكل التالي:
1 – الانفجار السكاني للبلاد.
2 – جفاف المناطق المتوسطة وألما قبل صحراوية.
3 – الرغبة المتزايدة للرفع من مستوى الحياة المادية
4 – تطور الاستعمار الأوربي
5 – هجومات الجراد
6 – النمو السكاني وتفكك الأراضي الزراعية
7 – احتكار الأراضي من طرف الأعيان وتعسفات السلطات الأهلية.
8 – انحلال المجتمع الرعوي والمجتمع البربري القروي.
هذه العوامل المتعددة التي عددها روبير مونطان ( R.Montagne) [44]، تفتقر على الأقل إلى ملاحظة في نظرنا، فالكاتب يعلل أسباب التي تحتوي على ميكانيزمات، وآليات تطور المجتمع المغربي في علاقتها مع "الحتمية الجغرافية"، مستمرة في جميع المناطق، وبالمقابل فبقية العوامل مهملة أو تم استصغارها بشكل كبير كالدور الأساسي للاستعمار والتي بقية مثلا، والذي حدد وصنف كعامل ثان فقط من خلال روبير مونطان ( R.Montagne) لا أحد ينكر اليوم بجدية تأثير العنف الاستعماري، الذي كان عامل هدم و تقريب للبنيات التقليدية و للروابط الاجتماعية: فالاستعمار "وضع نظاما لخلق الانفجار الديمغرافي والشرط الممهد للهجرة".[45] ما يجب إذن تفسيره هو لماذا وكيف تم هذا "الفائض الديموغرافي". يستوحي روبير مونطان ( R.Montagne) بكل تأكيد "الأطروحة الديمغرافية الإيديولوجية لويس شوفالي (Louis Chevalier) [46]، التي كانت موضة أثناء المرحلة الاستعمارية، أصبحت أعمال هذا الأخير مرجعا كلاسيكيا لتحليل المجتمعات الشمال الإفريقية التي يفسر فيها كل شيء، بشكل حتمي ب "نظرية الفائض السكان" التي ليست إلا نتيجة لمنطق استعماري وامبريالي، مؤسس على استغلال السكان المحليين.
ومهما كان فإن التفسير الديموغرافي (الفائض السكاني) أو الحتمي (الجغرافي)، بالنسبة لحالة الهجرة المغربية يبقى جد مبسط وسطحي، فهو يعود بالضرورة إلى العائق المنهجي والإبستمولوجي، الموجود بين مقاربتين مختلفتين: السوسيوديمغرافية الكولونيالية من جهة والتاريخ الاجتماعي والاقتصادي من جهة أخرى، هذا الأخير يمتلك على الأقل أهلية لتحليل ظاهرة الهجرة في إطار حركة جدلية تأخذ بعين الاعتبار كل مظاهر هذه المسألة. وبالتأكيد الأرض لا يمكن أن تسمح إلا لعيش السكان المستهدفين الذين يهموننا: كان هذا هو السبب الرئيسي لتسريع وثيرة النزوح القروي بإيقاع لم يبلغه أبدا منذ الحرب العالمية الأولى. في الحقيقة رأى الفلاحون أن بنياتهم السوسيو اقتصادية تتخرب في سنوات الحرب مع المستعمر، ومع سنوات الجفاف و المجاعة أيضا، وسنوات النهب لأرضهم التي هي رأسمالهم الوحيد، ووسيلة الإنتاج وبعبارة أوسع فهؤلاء "الفلاحين الفقراء" فقدوا كل شيء، هذا دون نسيان تطور السيرورات الاجتماعية التي تهم بعض المجموعات السكانية التي تمتلك عادة هجروية قديمة، والتي ارتفعت في أواسط القرن XIX (السوسيين والريفيين).
إن نتائج الاستعمار دفعت بشكل قوي وبكل تأكيد بالهجرات بأشكالها. في هذه الظروف خربت قطاعات واسعة من السكان لاسيما سكان القرى، ولكن أيضا، الذين يعيشون على الصناعة الحرفية في المناطق الحضرية والتي لحقها الخراب جراء دخول المنتجات الأوربية الآتية من الخارج. هذه الساكنة أجبرت على حد الأزمة، وعدم الركوض أبدأ وراء "السيولة النقدية" في المدن الكبرى كالدار البيضاء والتي لعبت بشكل واضح دورا على المبادرة أو التكوين بالنسبة للمهاجرين الأوائل، في فضاء حضري ضروري لتهيئ وتحمل المشروع الهجروي نحو آفاق أخرى.

2- تطور الدار البيضاء وميلاد مدن الصفيح : أية أصالة؟
إنه أثناء الفترة التي تهمنا والتي متمثل تشكيل الطبقات "البروليتاريا" لمدن الصفيح التي فيها أنواع مفضلة ستكون في القنيطرة التي منها عين السبع، وفي الدار البيضاء التي منها ابن مسيك،هذا الأخير أنشئ نحو سنة 1932 في مجالات تنتمي إلى مكان خاص (يسمى ابن امسيك)، حسب شهادة روبير مونطان ( R.Montagne) [47]. (ملحق رقم 3: شكل رقم 2، يوضح تصميم الدار البيضاء، ومدنها الصفيحية).
تأسست مدن الصفيح للدار البيضاء في الغالب سنوات 1930. وكانت الحصيلة الواضحة للاستعمــار كمــا كانت مصاحبة لتطور هذا الاستعمار، و أحدثت كذلك مشاكل عديدة للصحة العمومية: "هذه المدن الصفيحية كان لديها مجموعة من الاسترجاعات المردودية والمنزوحة والمتراصة و المتفرعة دفعة واحدة لأسباب صحية"[48]، أشار روبير مونطان ( R.Montagne) الذي لم يذكر أن تجمع جزء هام من الساكنة المغربية في المدن الصفيح والمقددة يتوافق مع أعمال السلطة الاستعمارية، هذه الأخيرة يمكنها كذلك أن تحكم وتراقب بسهولة السكان على ضوء مسألة العدوى السياسية والاجتماعية التي تبقى المهمة الأفضل للإقامة العامة. هذه الأخيرة التي كانت تشجع الصناعات المنشأة منذ "1916 في المدن التي استفادت من أعمالها، شركات الجير والإسمنت (1916-1927)، المكتب الشريف للفوسفاط (1930)، مؤسسة كارنو(Carnaud) 1930، شركات المناجم وصابون المغرب (1931-1930)، شركة السكر 1930، مقاولة سوسيكا (Socica) (1937-1945) إلخ"[49].
إن تشكيل هذه المدن الصفيحية هو انعكاس لسرعة النمو الديموغرافي، ولكن أيضا خصوصا لسرعة وثيرة الهجرات الداخلية المتبوعة بتطور اقتصاد لمدينة ديناميكية أيضا كالدار البيضاء، كما تؤكد المعطيات التالية :"من سنة 1926 إلى 1931، و ازدادت الساكنة ب 140، ومن 1936 إلى 1947 ازدادت ب 114، وبالتالي فمعدل نمو المدن الرئيسية للمغرب أثناء نفس المرحلة هو75% . ومن 1936 إلى 1947 يمكن أن نقبل أن عدد المسلمين والإسرائيليين بلغ 225.000 عندما كان تزايد السكان الأوربيين وصل إلى 45.000 ألف، الذي منه أكثر من ثلاثة أرباع بواسطة الهجرة"[50]. إن تأثير المباشر لهذا النمو الملاحظ في الدار البيضاء هو تكدس للطبقة الشبه البروليتاريا بحثا عن العمل، هي الظاهرة التي تابعت إيقاعا غير مسبوق على أبواب المدن الاقتصادية الكبرى للبلاد: "المدن الصفيحية للدار البيضاء تحتضن 85.000 ألف شخص في سنة 1932. هذا التجمع الذي يتخلى عن كيفية تغيير للبلاد والمدينة، يخضع مباشرة للنشاط الأوربي"[51].
بالنسبة للنتائج، فأثناء مرحلة 1931، 1936 أصبحت الدار البيضاء أكبر مدن المغرب من الناحية السكانية، متجاوزة مراكش أو فاس، كمدن سلطانية قديمة، بعد إحصاء سنة 1936، 257.000 نسمة. في الدار البيضاء مقابل 163.000 ألف في سنة 1931، الشيء الذي يوضح تطورا ملحوظا ب 63 بالمائة في مدة 5 سنوات فقط. وبالنسبة لمراكش تطور كثيرا بالقياس مع نفس الإحصاء 1936، ولم تحتوي إلا على 190.000 ألف نسمة. بالإضافة إلى أن المدينة الاقتصادية الكبيرة للمغرب الاستعماري الدار البيضاء، فإن في المراكز الحضرية تتميز بالأنشطة الجديدة التي هي في نمو ثابت : على سبيل المثال، تحدد الرباط، سلا، مكناس، القنيطرة، أكادير أو وجدة.
إن التغير الآخر والبارز والهام هو التعديل في توزيع الجغرافي للسكان. هذا التوزيع المتفاوت يلاحظ من مدينة إلى أخرى، ولكن يلاحظ أيضا في داخل نفس المراكز الحضرية: مرة أخرى تقدم لنا الدار البيضاء الوضوح النوعي لهذه الحركية الجغرافية للسكان، التي كان من نتائجها تغيير العلاقات الاجتماعية و كذا تركز العمال في الهوامش "الصفيحية" التي تغير بقلق أكثر على الظروف المزرية والبئيسة لهذه الطبقة التحت البروليتاريا. إن تطور السيرورة الاجتماعية هنا هي محتومة، ولكنها بعيدة عن تحقيق الوعي الطبقي بالمعنى الماركسي للعبارة: "الذي ليس خارج تشكيل الطبقة العاملة. إن ظروف العمل وفقر العمال المغاربة، يطرح على الواجهة قضايا العمل، ولكن هذه الطبقة الشبه البروليتاريا غير مؤهلة على العموم لطرحها. هنا يمكن أصل المسألة الاجتماعية". كما يلاحظ ذلك بصواب غوني كالسيو (R.Gallissot). [52]
بعبارة أخرى فغياب تقليد العمالي قبل الحماية وغياب التنظير النقابي والسياسي الفعال، يمكن أن يفسر تناقضات الحركة العمالية، والتي في طور النشأة، والتي بقيت بدون طبقة عمالية أثناء فترة الاستعمار.
هناك أصل آخر يستحق أن يكون محددا لميلاد الشبه البرليتاريا أثناء الفترة التي تهمنا : يتعلق بظهور "البورجوازية التجارية" المركبة من البورجوازية الحضارية لفاس التي انتقلت إلى الدار البيضاء للدخول في منافسة مع "البورجوازية الوليدة في سوس": أصبحت الدار البيضاء بشكل أكيد المركز الرئيسي لكل الأنشطة التجارية والاقتصادية للمغرب الاستعماري. بالنسبة لفاس هي محصورة في المستوى الثاني. إذا كان تطور هذه "البورجوازية السوسية" بطيئا عرفت عدة صعوبات في الإحاطة بها غير أن تشكيل مجموعات البرولتاريا، فإنها تشجع بشكل واسع مكونا هذه البورجوازية لـ(سوس)، التي ستتطور وستتوطد تحديدا بعد الحرب العالمية II. إن القرابة كنظام و كبنية اجتماعية، ليست غريبة عن هذا النجاح للتجار الصادر من سوس، الشيء الذي يغيب عن النظرة السوسيولوجية الثاقبة لجون واتربوري (J.Waterbury)عندما كتب: "من الممكن أن السوسي كان من قبيلته الذي استقر في مدينة الشمالية التي أصبحت كبيرة، و استغل إن سلسلة من المحلات أو الدكاكين التي يديرها ذوي القربى، الذين يكون هو حاميهم وممونهم"[53]. إن الضغط السوسيواقتصادي والقرابة العائلية يحفظان أفراد "الجماعة السوسية" داخل النظام التحالفي القديم تحت ثقل التقليد : هي واحدة من التفاسير للارتقاء الاجتماعي لهذه الفئة السوسيوالمهنية (Socio-prefessionnelle)، التي تميز الاقتصاد المغربي أثناء المرحلة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية، ناجحة في منافسة بورجوازيتين حضاريتين عتيقتين، الفاسية من فاس و اليهودية.
إن تزايد الساكنة الحضرية المتخذ بخزان المجموعات القروية المنتقلة يوسع أيضا الأنشطة التجارية في المراكز الحضرية الكبرى. في سنة 1931، عدد الإحصاء 6.031.000 "أهلي"، هذا العدد ارتفع في سنة 1941 إلى 7.650.000. بنيت الساكنة الحضرية نموا استثنائيا وصل إلى 1.350.000 سنة 1941 مقابل 821.000 سنة 1931، بنسبة نمو حوالي 61 بالمائة خلال عشر سنوات. في سنة 1941، تم تعداد 142.000 يهودي بالمغرب، بنسبة 12.4 بالمائة من الساكنة الحضرية المغربية، احتضنت الدار البيضاء 52.000 يهودي مقابل 270.000 مسلم[54]. أما موكادور فاحتوت على 7.000 يهودي مقابل 16.000 مسلم[55]. هذا الحضور المتكتل ليهود المغرب في الفضاءات الحضرية سمح لهم بالتعاون والمساعدة مع الاستعمار الأوربي، ولكن أيضا وخصوصا بالدخول في التجارة معه (الاستعمار الأوربي)، وتم تخريب عدد من اليهود نتيجة هذه المنافسة الخادعة فيما بين الطرفين. استمرت الدار البيضاء في احتكار الهجرات الداخلية، ووصلت إلى 454.300 نسمة منها 131.800 أوربي، واستقطبت المدينة (بين 1936 و1941) قرابة 200.000 شخص في خمس سنوات فقط. وبالتالي استحوذت مدن الصفيح على الميدان، وتطورت المدن الخالية من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالأوربيين، بسرعة أقل من المراكز الكبرى التي عمرها الأوربيين، كذلك، فمراكش، على سبيل المثال، خسرت السرعة، ولم تصل إلا إلى 190.000 نسمة، وأيضا فاس، التي لم تتجاوز إلا 200.000. بالمقابل، تطورت مدن كمكناس، فضالة، القنيطرة، عبدة، وخريبكة، (الفلاحة، والفوسفاط) أو أكادير (الثروات البحرية لاسيما الأسماك)، على شاكلة آسفي التي كان التطور فيها بطيئا، ولكنه حقيقي، وبفضل الصناعة السمكية التي غيرت ضده المدينة الصغيرة، اكتسبت أكثر من 26.000 مهاجر جديد أثناء سنوات 1924-1947، فانتقلت من 21.350 إلى 47.520 مغربي، في نفس الوقت انتقلت، حمولة مينائها من 25.000 سنة 1936 إلى 75.000 سنة 1948[56]. لقد تموقع أكادير في نفس وضعية آسفي، في القياس الذي حكم روبير مونطان (R.Montagne) على تطوره بـ "البطء الشديد" من خلال تحرياته: "في سنة 1913، يتواجد به (أكادير) فقط 760 مغربي منهم 160 يهودي (...) وطورت تنقلات الصيد المحلي الأولين. بعد ذلك ظهرت "بورجوازيات صغيرة"، تجار أو مستفيدي الحماية (...) في سنة 1939، احتوت على ستة أو سبعة آلاف نسمة، وبالتالي فالانطلاق السريع للصناعات السمكية للسردين، هو الذي غير المدينة خاصة منذ 1945 نعدد منها 1.500 بحارة من الأهالي، 300 إسباني وبرتغالي. وارتفعت اليد العاملة للمصانع إلى 8.000 عامل وعاملة"[57]. عرفت مدينة وجدة، هي الأخرى كأسفي واكادير، نموا "متأخرا"، ولكن انطلاقا كان غير عادي على طول فترة سنوات 1936-1941 وبعدها. وتفسر الصناعات التحويلية والسكك الحديدية و"التهريب" بالتأكيد النمو السريع للساكنة وجدة التي انتقلت من 34.500 سنة 1936 إلى 60.700 شخص سنة 1941، بنسبة تطور بلغت أكثر من 56 بالمائة في ست سنوات. وتبقى مدينة وجدة، كالدار البيضاء، النموذج النوعي للنمو الحضري القوي للفترة التي تهمنا، لكن لها خاصية تميزها: مساهمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://la3waina2010.ibda3.org
 
ترجمة الفصل الأول من كتاب "الأصول التاريخية للهجرة المغربية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عوينة ايتوسى :: المجموعة الاولى :: منتدى ثقافة عامة-
انتقل الى: